السيد كمال الحيدري
339
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ( البقرة : 34 ) ، أو أنه وجود مادّي عاقل فيُخاطبه بما يُناسبه ، من قبيل : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( البقرة : 21 ) ، أو أنه وجود مادّي غير عاقل فيُخاطبه بما يُناسبه أيضاً ، من قبيل : ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ( فُصّلت : 11 ) . وبذلك نخلص إلى نتيجة مهمّة وهي أنَّ شخصية المخاطب وخصائصه المعرفية والاجتماعية تُشكِّلان قرينة تُحدِّد لنا طبيعة الخطاب وحدوده . الثالث : ما هي طبيعة الخطاب وخصوصياته ؟ وأما طبيعة الخطاب وخصوصياته فهي الأُخرى تُشكِّل لنا قرينة حالية لفهم نطاق الموضوع وحدوده ، وليس المراد بذلك أنَّ المتكلَّم تارة يكون جادّاً ومُريداً وأُخرى لا يكون كذلك ، فإنَّ هذا منفيٌّ في حقّ كلّ متكلِّم عاقل فكيف بالله تعالى ، وإنما المراد هو أنَّ الخطاب العقدي يختلف عن الخطاب التشريعي ، فعادةً ما تجد الوعد والوعيد مرتبطين بالعقيدة ، وتجد الخطاب التوحيدي يختلف عن الخطاب العقدي الآخر ، حيث التشديد البالغ الذي لا يُضاهيه تشديد آخر ، من قبيل : إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثماً عَظِيماً ( النساء : 48 ) ، وفي بيان آخر : . . . وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيداً ( النساء : 116 ) ، ومعنى : ( عظيماً ) هو المبالغة ، أي : ليس هنالك ما هو أعظم منه ، ومعنى : ( بعيداً ) هو المنتهى في الضلال ، أي : ليس هنالك من هو أضلّ منه . وهكذا تجد الحال في الخطاب الشرعي بالقياس إلى موضوعاته ، فنجده يُشدّد في موضوعة الدماء وحصانة المرأة بصورة تختلف تماماً عن الخطابات الأُخرى ، ففي الدماء يقول : . . . مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ